شرح تفصيلي لوضعية العدو في الجنوب

يعتمد العدو منذ اليوم الأوّل في ميدان الجنوب اللبناني على تكتيك الالتفاف والعزل بدل اقتحام القرى والسيطرة عليها، تلافيًا للاستنزاف وتكبّد أعداد كبيرة من الخسائر، ولتسريع الوصول إلى نقاط تمنحه صورة إنجاز سريع. ويسعى العدو إلى تنفيذ عملية فصل جغرافي تمتد بعرض جنوب الليطاني، وتجزئة خطوط المقاومة إلى جيوب منفصلة. وقد لوحظ أن العدو تعمّد بدء الاجتياح من خلال معابر ضمن القرى غير الشيعية، حيث ينتفي وجود عناصر المقاومة.

فما هي حقيقة الخريطة الميدانية الحالية؟ وما هو أسلوب العدو الإسرائيلي في الميدان، وما هي حدوده؟

أولًا - الوضع الميداني في القطاع الغربي:
• حصل التفاف للعدو على قرى شمع وطيرحرفا والجبين وشيحين من دون الدخول إلى أيٍّ منها، ووصل إلى البياضة عبر مسلك إسكندرونا.

الهدف من هذا الالتفاف هو:
• الصورة أو الدعاية.
• عزل كل القرى الواقعة خلف البياضة وقطع إمدادها.
• الإشراف من مرتفع البياضة على صور والسهول الممتدة حولها.

ثانيًا - الوضع الميداني في القطاع الأوسط:

دخلت قوات العدو من القوزح باتجاه بيت ليف، من دون محاولة اقتحام البلدة، بل تم الالتفاف عنها باتجاه وادي العيون، الذي يفصل بيت ليف عن صربين. وفي صربين كذلك، لم تحاول قوات الاحتلال الدخول إليها، واتجهت نحو رشاف، حيث واجهت تصديًا شرسًا عند مشارفها، ما أجبرها على العودة إلى وادي العيون، وما زالت هناك من دون دخول بيت ليف أو صربين أو رشاف.

الهدف هو الوصول إلى حداثا وقطع إمداد مدينة بنت جبيل والقرى الملاصقة لها من ناحية القطاع الغربي. وكذلك يحاول قطع خط الإمداد من جهة عيترون، من خلال الالتفاف على وادي السكيكية (الذي يصل عيترون بوادي السلوقي) من دون دخول البلدة، ما يمكّنه من عزل بنت جبيل والقرى اللصيقة بها عبر قطع خط إمدادها من شقرا وخط وادي الحجير.

بالخلاصة، يسعى من ناحية وادي العيون – رشاف – حداثا، ومن ناحية عيترون – وادي السكيكية – وادي السلوقي إلى عزل بنت جبيل وعيناتا وعيترون ومارون ويارون.

ثالثًا - الوضع الميداني في القطاع الشرقي:
• الخيام: تنتشر قوات الاحتلال عمليًا في جنوب الخيام من ناحية الشرق والغرب. وقد فتح العدو خطًا باتجاه الوسط، فيما لم يستطع التثبيت فيه. في المقابل، كل منطقة شمال الخيام شرقًا وغربًا عصيّة حتى اللحظة على قوات العدو، وخطوط إمداد المقاومة متصلة، وشرايين الدعم واصلة إليها، وبالتالي لم يستطع العدو قطع خط إمداد الخيام.
• الطيبة: حاول العدو التوغل فيها وإحكام سيطرته، ففشل، ليعود إلى اتباع أسلوب الالتفاف حولها من مسلكين:

المسلك الأول هو حي بيدر الفاقعاني، حيث حاول شق طريق والنزول إلى الوادي، مستدعيًا لهذه المهمة عددًا كبيرًا من المشاة والآليات، فتكبّد بالمقابل خسائر كبيرة أجبرته على الانكفاء.

المسلك الثاني، التفت قوات العدو من خلاله على الطيبة عبر دخولها إلى عدشيت القصير ودير سريان والقنطرة، واتجهت نزولًا إلى منطقة المحيسبات، حيث وقعت آلياتهم ودباباتهم في كمائن محكمة، وهي تحاول النزول من المحيسبات إلى وادي الحجير دون تحقيق أي نجاح.

في حال نزول قوات العدو من المحيسبات نحو وادي الحجير من جهة، وفي حال وصولها من وادي السكيكية إلى وادي السلوقي من جهة ثانية، يكون العدو بذلك قد فصل الخط الفاصل بين قرى النسق الأول وقرى النسق الثاني في عرض جنوب الليطاني تقريبًا، أي أنه فصل حولا وميس الجبل وعيترون وبنت جبيل عن شقرا وبرعشيت ومجدل سلم، وفصل أيضًا الطيبة والقنطرة عن الغندورية وفرون وقعقعية الجسر، كما يكون قد قطع إمداد جيوب المقاومة.

ومن الملفت في هذا الإطار عدم تقدّم العدو، حتى الآن، من المطلة باتجاه كفركلا ودير ميماس ثم الخردلي، بالرغم من تواجده في جنوب الخيام والحمامص وكفركلا.

وأشارت مصادر مواكبة لـ"بيروت ريفيو" إلى أن معنويات المقاومين مرتفعة جدًا، وإدارة المعركة متماسكة ومرنة ومصمّمة لاستنزاف مستدام للعدو، وأن العدو يفتقد إلى الكثير من المعلومات الاستخبارية، بحسب ما أثبتت عملياته وغاراته. وهذا يعني أن المقاومة أنجزت جزءًا كبيرًا من عملها بعد الحرب الأخيرة بسرية تامة، وهذا ما يعقّد مهمته. ويشير كل ذلك إلى حجم الدروس والعبر التي استخلصتها المقاومة، وتوظفها بشكل إبداعي في المعركة الحالية.

أخيرًا، فيما العدو مندفع للتقدم في الجغرافيا بقوته الهائلة، تسعى المقاومة إلى جرّه إلى حرب استنزاف متعددة المراحل تبدأ من رفع كلفة التقدم، ثم منعه من التثبيت، ثم الإغارة على قواته وخطوطه الخلفية. وتستفيد المقاومة من منظومة الصواريخ المضادة للدروع ومنظومة المسيّرات والمحلّقات، بالإضافة إلى مجموعات صغيرة تخوض كمائن متنقلة مع تغطية نارية. لقد تكبّد العدو حتى اللحظة إصابة وتدمير أكثر من 100 دبابة ميركافا.

مع العلم أن الإعلام المؤيد للعدوان في لبنان يروّج لسردية الإنجاز الإسرائيلي من خلال انتقاء صور أو معلومات محددة من المشهد الكامل، ومن خلال قياس المنجزات بعدد الأمتار التي قطعها العدو، وهو ما يخالف أبسط قواعد الحروب غير المتناظرة القائمة على الاستنزاف كما تفعل المقاومة.

منشورات ذات صلة