اليمين "يخطف" المسيحيّين: مقامرة انتحاريّة في زمن التّحوّلات الكبرى

بقلم: فادي موسى

لا يبدو أنّ اليمين اللّبناني قد تعلّم شيئًا من دروس التّاريخ، ولا من فواجع الحروب الّتي كان وقودها الأوّل هم المسيحيّين أنفسهم. هذا اليمين، الّذي أدخل المسيحيّين سابقًا في نفق الحرب الأهليّة المظلم، وانتهى به الأمر بتمزيق البيت الواحد عبر الاقتتال "المسيحيّ-المسيحيّ" الدّامي، يعود اليوم ليمارس الهواية ذاتها: خطف الطّائفة، وتدفيعها ثمن طموحات سلطويّة واهمة.

خيار الانتحار بالوكالة: لمن تُقدَّم الأوراق؟


     بدل أن يقف اليمين بالمسيحيّين على مسافة آمنة أو يلتزم "الحياد" الذي ترفعه الكنيسة شعارًا، قرّر أن يكون "رأس حربة" بالنّيابة عن قوى إقليميّة ودوليّة. الغريب أنّ "الأسياد" في الخليج لم يجرأوا على التّصعيد المباشر مع إيران، بل سلكوا دروب الدبلوماسيّة؛ لكنّ اليمين المسيحيّ "المتخلّف فكريًّا" تنطّح للمَهمة، مقدِّمًا أوراق اعتماده كخنجر غدر في ظهر المقاومة، مقابل وعود واهية بالدّعم والتّمكين.

وهنا يُطرح السّؤال الجوهريّ: ما مصلحة المسيحيّين في أن يصبحوا رأس حربة، مقابل مقاومة شرعيّة تقف في وجه الاحتلال، في ظلّ معركة ضروس بين قوى المنطقة والأمريكان؟ هل مصلحة المسيحيّين اليوم، لو تُرِكت لضميرها، أن تصطفّ في محور "نتنياهو- إبستين - ترامب" الّذي يتنافى كليًّا مع القيم الإنجيلية؟ لقد حوّل هذا اليمين المجتمع المسيحيّ إلى درع بشريّ سياسيّ، يحتمي بخلفيّته الطّائفيّة ليحقّق مكاسب سُلطويّة، غير آبهٍ بجعل المسيحيّين رهائن في مغامرة قد تقتلع ما تبقّى من وجودهم.

الوجه المشرق: "مسيحيّة المحبّة" في مواجهة "يمين الكراهيّة"

في مقابل هذا السّلوك السّياسيّ المشين، يتجلّى المجتمع المسيحيّ الحقيقيّ بأبهى صُوَره الإنسانيّة؛ إذ بينما كان الخطاب اليمينيّ يحرّض، كانت الأديرة والمطرانيّات تفتح أبوابها للنّازحين، معتبرةً أنّ كرامة الإنسان هي أسمى الصّلوات.

وقد تولّت مؤسّسات كنسيّة دورًا رياديًّا في هذا المشهد، حيث قادت كلٌّ من كاريتاس، وفرسان مالطا، والرّهبانيّة الأنطونيّة العمل المنظّم، عبر تأمين الطّبابة والغذاء، وفتح الأدْيِرة كمراكز إيواء في مختلف المناطق اللبنانيّة.

وفي موازاة ذلك، برزت صور التّضامن الشّعبيّ، إذ استضافت عائلات مسيحيّة في القرى والمدن - من دير الأحمر والبترون وعكّار وجبيل إلى صور وبعبدا - المهجّرين بمحبّة، وتقاسمت معهم رغيف الخبز، في تجسيد حيّ لرسالة المسيح الحقيقيّة. 

ولا ننسى دور الفنّانين والمؤثّرين والقوى السّياسيّة المسيحيّة العابرة للطّوائف، الّذين رفضوا الانجرار خلف لغة الشّحن، ووقفوا وقفة عزّ وطنيّة، مؤكّدين أنّ المسيحيّ في لبنان هو جسر تواصل لا جدار عزل. هؤلاء هم الوجه الحقيقيّ للمسيحيّة الّتي ترفض توريط أهلها في معارك ليست معاركهم، وتأبى أن تزهق تعب الآباء والمطارنة والكنائس في "ذكرى بشعة" يحاول اليمين تخليدها في هذه الحرب.

دروس من "حكمة" الشّركاء: تضحية السّلطة لأجل الوطن

بينما يندفع اليمين نحو الهاوية، نجد نماذج وطنيّة آثرت الحكمة. انظروا إلى الدّروز؛ فرغم تباين مواقفهم السّياسيّة، نأوا بأنفسهم كليًّا عن "التمترس" الفتنويّ، وأدركوا أنّ العيش المشترك خطّ أحمر.
أما السنّيّة السياسيّة، فقد قدّمت الدرس الأقسى؛ إذ فضّلت الخروج من "جنّة السّلطة" كما فضّلت تجميد حضورها على أن تنجرّ إلى معركة انتحاريّة تخدم أجندات خارجيّة. لقد دفع السنّة ثمن حكمتهم بالابتعاد عن الحكم، لكنّهم حمَوا بيئتهم من محرقة محقّقة، بينما يصرّ اليمين المسيحيّ على الذّهاب بالمسيحيّين إلى المسلخ السّياسي طمعًا في "كرسي" مهزوز على جماجم الأبناء.

المظلوميّة المختلَقة واغتيال الرّسالة

يتحدّث اليمين عن "الظّلم" الشّيعي، متناسيًا التّرفّع الّذي مارسته المقاومة في عزّ قوّتها. هل نحصي بالمقابل ما لحق بالشّيعة من تهميش في ظلّ "الحكم المارونيّ اليميني؟" إنّ هذا اليمين لم ينتصر في معركة واحدة عبر تاريخه، ومع ذلك يصرّ اليوم على بثّ خطاب الكراهية ضدّ النّازحين، ضاربًا عرض الحائط بكلّ القيم الإنسانية.

إنّكم تقولون للّبنانيّين بوضوح: "انتبهوا منّا، فإنّنا متى تمكنّا سنعود لسيرتنا الأولى". أنتم تزرعون في الوعي الجمعيّ أنّكم خنجر غدر، وهذا هو الخطر الحقيقيّ على الوجود المسيحيّ في هذا الشّرق الّذي لا يرحم.

 صرخة للأحرار

هذه ليست لعبة سياسيّة يا "حمقى" اليمين، إنّها معركة وجود. التّحضّر الحقيقيّ هو السّيطرة على شهوة السّلطة والتّرفع عن الغدر بالأخ، وهو ما فعله الشّيعة حين ترفّعوا عن جراحهم الدّاخلية، بينما أوغلتم أنتم في دماء إخوتكم المسيحيّين.

هذه الرّسالة للمسيحيّين "الأحرار": أوقفوا عمليّة خطفكم. قولوا لهؤلاء الأوغاد "كفى"، فهم لا يمثّلون ربعكم. تعلّموا من حكمة الدّروز ومن تضحية السّنة بالسّلطة، وافهموا أنّ القادم من الأيّام سيسكنه فقط من زرع الأخوّة، أما من جعل من أهله متراسًا لمغامراته، فلن يحصد إلّا العزلة والنّدم.

منشورات ذات صلة