50 عامًا على مجزرة الكرنتينا
كيف ارتكبت الميليشيات اليمينية إحدى أكبر المذابح اللبنانية؟تعود اليوم ذكرى أوّل مجزرة في الحرب الأهليّة اللبنانيّة، وإحدى أفظع محطّات التّاريخ اللّبنانيّ المعاصر "مجزرة الكرنتينا" عام 1976.
أنشئ حيّ الكرنتينا الفقير المجاور لمرفأ بيروت، ليكون محجرًا صِحّيًاّ للسّفن القادمة إلى لبنان خلال الحكم المصريّ للبنان في القرن التّاسع عشر، وتحوّل إلى حي شعبيّ عام 1922 مع قدوم اللاجئين الأرمن من كيليكيا إلى لبنان أثناء فترة الاحتلال الفرنسي، ثم استقبل اللاجئين الفلسطينيين، ثم الأكراد والعمال السّوريين والنّازحين اللبنانيين من الأرياف، فتضخّم بشكل كبير حتى عام 1975 دون بنية تحتية حقيقية، فصحَّ فيه أنّه أحد أقدم أكواخ البؤس في العالم .
مطلع عام 1976 فرضت الميليشيات اليمينيّة،حزب الكتائب وحزب الوطنييّن الأحرار وحرّاس الأرز، حصارًا على "جيب" الكرنتينا السّاقط عسكريًّا. صباح 18 كانون الثّاني بدأت هذه الميلشيات بقصف مدفعيّ للحيّ ، ثم اندفع مسلحو الميليشيات إلى داخله، ليرتكبوا على مدى 3 أيام مجزرة مروعة بأبشع الوسائل بحقّ حوالى 2000 ضحيّة، فجّروا فيها بيوتًا واغتصبوا فتيات، وأعدموا عجزة ونهبوا المَحالَّ والمنازل، ما تسبَّب بموجة ذعر وفرار الآلاف من السّكان، قبل أن يتم تفجير وجرف مئات المنازل وإقامة مبنى "المجلس الحربي" سيّىء الصّيت فوق ركامها، لِيصبِح مَقرًّا لتعذيب مئات اللبنانيين وإعدامهم فيه، طول الحرب الأهلية.
سمّت الميليشيات ذلك اليوم باسم "سبت النّور"، بدل تسميته السّبت المشؤوم أو السّبت الأسود، أسوةً بالكثير من الأيّام السّوداء في روزنامة الحوادث اللبنانية، واختصر السّياسيّ الكتائبيّ جوزيف سعادة كل شيء ببضعة كلمات في كتابه "أنا الضّحية والجلّاد أنا": "ليلة التّاسع عشر من كانون الثاني 1976، لم ينم الـ بي جي، كانت همساتهم تتردَّد في أرجاء المنزل: الهجوم على الكرنتينا يوشك أن يبدأ. عند الرّابعة فجرًا بدأت مدفعيّتنا التّمهيد للهجوم بصبِّ حممها على الهدف. أفاقت بيروت ذلك الصّباح على دويّ القصف. وأيقن الجميع أنّ اليوم هو يوم الكرنتينا.. هناك مَن لم تُكتب لهم النّجاة، نزفوا حتّى الموت؛ فتلوّنت الأزقّة بأحمر دمائهم. كانت مجزرة بكلّ ما للكلمة من معنى. خلفنا بدأت جرافات تجمع الجثث، جثث إلى ما لا نهاية، ولا إحصاء.. لأوّل مرة منذ بداية الحرب، نجح المسيحيّون في احتلال أرض عدوّة... كان مقاتلونا على درجة من الفرح والسّذاجة جعلتهم يستقبلون المصّورين الصِّحافيين بالتّرحاب، وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك بصلبانهم المضرَّجة بدماء أعدائهم، فتحوا زجاجات الشّامبانيا فوق أكوام الجثث، أخذتهم نشوة القوّة. عزفوا على الآلات الموسيقية وأرجلهم تطأ رقاب الموتى..".
ظلّ التهميش سمة منطقة الكرنتينا رغم انتهاء الحرب، لم تعد العقارات إلى أصحابها ولم يعد إلى الحيّ إلا القليل من السّكان، من أماكن نزوحهم العشوائيّة في السان سيمون والسان ميشال والنّاعمة. ولم يخلِ الجيش ثكنته الّتي تحتل مِساحةً كبيرة رغم الوعود المتكرّرة لأسباب طائفية. أمّا الدولة فلم تقدّم شيئًا سوى معمل النّفايات الّذي فاقم معاناة من تبقّى من الأهالي. بعد انفجار مرفأ بيروت الّذي دمَّر المنطقة لم يلتفت أحدٌ إلى هذه البقعة التّعيسة، سوى تجار العقارات الّذين هرعوا لاستغلال ظروف السّكان، أمّا الإعلاميون والسياسيون فاقتصر تركيزهم على الأحياء الأخرى [المسيحيّة] كالجمّيزة والرّميل، في سياق ترويج سرديّة محدّدة.
رحم اللّه ضحايا الانقسام والكراهية الّذي ينخر لبنان، على أمل أن يندمل هذا الجرح العميق في الذّاكرة اللّبنانية وأن تنذكر وما تنعاد..
_______________
[الصورة يوم 18 يناير/ كانون الثاني من عام 1976 بعدسة "ديمولدير" الّتي فازت بفضلها بجائزة "وورد برس" أفضل صورة صحافية لعام 1977.
