الواقعيّة السياسية وخيار الإرادة التّحرّريّة
إيمان شمس الدين*
مفهوم الواقعيّة يعود في نشأته إلى عهد أرسطو، الفيلسوف اليونانيّ الّذي واجه مثاليّة أفلاطون، إذ كان يعتبر أنّ الحقائق الحقيقيّة هي عالم المُثُل والأفكار، وأنّ العالم المادّيّ مجرّد ظلّ وانعكاس.
إلا أنّ أرسطو يرى أنّ الحقيقة، تكمن في الوجود المادّيّ الخارجيّ الحسّي الخاضع للتجربة والخبرة في الحياة، كأدوات لمعرفة هذا الواقع وهذه الحقائق؛ وذهب بعد ذلك جون لوك الفيلسوف الإنجليزي إلى أنّ الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء، وأنّ المعرفة تأتي من الحسّ والتّجربة، أي من الواقع الخارجيّ الماديّ.
فالواقعيّة تنطلق من الواقع – أي ممّا هو كائن – لا ممّا ينبغي أن يكون، لذلك تستحضر الواقعيّة مفاهيم مثل المصلحة، والقوّة وتوازن القوى والرّدع، لتفسّر ما تقوم به الدّول، ولماذا تقوم بذلك؟ وماذا عليها أن تعمل؟ فهي اتّخذت الدّولة أساسًا في انطلاقتها التّنظيرية، لأنّها تحسب الدولة هي الكيان الوحيد ذا السّيادة المطلقة، الّتي لا يمكن التّنازل عنها تحت أيّ ظرف من الظّروف.
إذا يرتبط مفهوم الواقعيّة بالمعرفة، والواقعيّة في العصر الحديث عزّزت المنهج التّجريبي الّذي يركز على الملاحظة والتّحقّق من الحقائق في العالم الماديّ، بالتّالي حصرت المعرفة في مصدرين رئيسين هما الحسّ والتّجربة، أي الاستقراء التّجريبي الّذي ينتقل من الخاصّ في استقرائه إلى العام في نتائجه.
وترتكز الواقعيّة الغربيّة على ثلاثة محاور رئيسيّة:
الاستقلال عن الإدراك، أي أنّ العالم المادّيّ والطّبيعيّ له وجود مستقلٌّ عن الذّات العارفة أو الوعي الإنساني.
طبيعة المعرفة: المعرفة تُكتَسب في المقام الأوّل من خلال التّجربة الحسيّة، والملاحظة للعالم الخارجيّ، وليس من التأملّات العقليّة وحدها. فهي تؤمن بالتّكامل بين الحواسّ، لكنّها تمنح الأولوية للمادّة والتّجربة كمصدر للمعلومات لتحقيق المعرفة، بالتّالي ترتكز على المنهج التّجريبي، باعتباره الوسيلة الموثوقة للوصول إلى الحقائق.
الحقيقة الموضوعيّة: فالحقيقة موجودة في الواقع الموضوعيّ، ويمكن للبشر اكتشافها والاقتراب منها، حتى لو لم يتمكنوا من فهمها بشكل كامل دفعة واحدة؛ ومَهمّة الفلسفة والعلم هي فهم هذا الواقع كما هو، لا محاولة خلقه أو إعادة بنائه ذهنيًّا.
وقد ظهرت أنواع عديدة للواقعيّة عبر التاريخ الغربي:
الواقعيّة الكلاسيكيّة: الوجود الحقيقيّ للكليّات في الأشياء نفسها ورائدها أرسطو ردًّا على مثالية أفلاطون، وتعتبر أن الطبيعة الإنسانيّة هي أساس الشرور.
الواقعية السّاذجة: ما ندركه يطابق تماما الواقع الخارجيّ دون تدخل من العقل.
الواقعيّة النّقديّة: الحواس قد تخطئ وتخدع، والإدراك ليس صورة مطابقة تماما للواقع الخارجيّ، لكنّه تمثيل دقيق للواقع الخارجي، لذلك ثمّة حاجة للفحص النّقدي والتفكير العلمي، ومن روّادها جون لوك.
الواقعية الجديدة: ظهرت في القرن العشرين، وهي تنطلق من نفس منطلقات الكلاسيكيّة في قضية بحث الدّولة عن مصلحتها وقوّتها، إلا أنّها تختلف معها في مسألة المنطق الذي تنطلق منه وترتكز عليه، فهي تنطلق من بنية النّظام الدّولي لا الطبيعة البشرية، الذي وبحسب وصف الواقعيّة الجديدة، يتمتّع بالفوضويّة، وعدم وجود سيادة يمكن أن تفرض وجودها على الدول.
وظهرت هذه المدرسة من قبل مجموعة من الفلاسفة الأمريكيين، مثل رالف بارتون بيري، وإدوين هولت، حيث تؤكد أنّ الأشياء المُدرَكة موجودة مباشرة في الوعي، ولا تحتاج إلى تمثيل عقليّ وسيط. وفي داخل هذه المدرسة اختلاف في حجم القوة ومقدارها، إذ يجب على الدولة مراكمتها، وتراوحت فيها وجهات النّظر بين الواقعيّة السياسية الدفاعية، وتلك الهجوميّة.
فأصحاب الواقعيّة الدّفاعية الّذين يمثلهم كينث والتز، يعتقدون أنّ الدولة عليها أن تراكم القوّة بما يسمح لها حفظ وجودها، وتحقيق توازن القوى الأخرى المنافسة.
أمّا الواقعيّة الهجوميّة الّتي يمثلها جون ميرشايمر، فترى أن لا وجود لحدّ معيّن في تراكم القوة، إذ إن الدولة تظل تزيد من رصيد قوتها لتصل إلى مرحلة الهيمنة لا التوازن كما هو الحال عند الدفاعية.
فالواقعية تهتم بـ : "فهم الواقع، وغالبا ليس فهم الحقيقة" وهو سؤال تعود جذور إجابته إلى فهم نظرية المعرفة، أي كيف نعرف؟ وما هي مصادر المعرفة؟ وما قيمة ما عرفناه؟
إذا الواقعيّة الغربية لا تعتبر أيّ دور للبعد المعنويّ الغيبي، ولا مدخليّة لإرادة الإنسان في هذا الواقع المُدْرَك، بالتّالي هي تتعامل مع هذا الواقع الخارجيّ كمسلّمة جبريّة على الإنسان الإذعان لها كحقيقة.
الواقعية السّياسيّة بين الشّعارات وإرادة الإنسان:
من المُسَلّم به منطقيّا عدم إنكار الواقع الخارجي، وإن وجوده هو وجود حقيقيّ، إلا أنّ هذه الواقعيّة ليست حتمية جبريّة، كما يحلو للبعض تسويقها خاصّة في لبنان، حيث تدفع بعض النُّخَب السّياسيّة إلى الاستسلام للواقع الّذي رسمه الأمريكيّ والصّهيوني بقوّته المتوحشّة، وعسكرته للواقع الخارجيّ بآلة القتل ومشهديّة الدّم، وكأنّه مسار جبريّ لا خيار آخر لنا أمامه، والأدهى أنّهم يفرضون هذا الفهم ليصبح قناعة مُسَلّم بها، من قبل الجميع تحت شعار العقلَنة، والّتي هي مظهر آخر من مظاهر وَقْعَنة العقل (رضوخه للواقع لا تثويره له). والواقعية تعتبر أنّ لإرادة الإنسان دورًا جوهريًّا فيها وفاقا للسنن التاريخية وقوانينها، فشروط تغيير الواقع الخارجي مرتبطة بوجود مجموعة كافية في المجتمع، قادرة على تغيير محتواها الدّاخل نفسي، وتمتلك إرادة وعزمًا في العمل على انعكاس واقعها الدّاخلي على محيطها، للنهوض بواقع مجتمعها، وهذه الجماعة متراصّة في غاياتها وأهدافها وفي وسائلها ومنهجها، ومتّسقة في ذلك مع إرادة المثل الأعلى والقيم العليا وليس مع أمريكا ومشروعها، وإن لم تتوفر هذه اللوازم في جماعة كافية فإن الاستبدال سيكون نتيجة حتمية وفاقا لسنن التّاريخ وقوانينه.
وهنا عدّة نقاط مهمّة يمكن استخلاصها، على ضوء ما يجري من أحداث منذ طوفان الأقصى إلى الآن في لبنان:
إنّ ما حقّقه محور أمريكا – إسرائيل – الغرب من إنجازات ضدّ مشروع المقاومة في المنطقة لا يخرج عن السّنن التاريخيّة، فالسّنن قوانين تحكمها إرادات، ما إن تأخذ هذه الإرادات بهذه القوانين وتُحكم حبكتها وفاقا للقواعد، فإنّها بذلك ستتحكم بالنّتائج وتحقّق الغايات، لذلك تحقيق هذه الإنجازات من قبل محور أمريكا و أتباعها، يمكن أن يكشف لنا واقعًا كانت تغطّيه الشّعارات، أكثر مما يغطيه الفعل الإنساني وفاقا لقراءة موضوعية عميقة للواقع الخارجي وتغيراته المتسارعة، وبناء قدرات تتناسب معه ومع الاستطاعة.
إنّ انكشاف الخلل لا يعني نهاية الحدث، بل إنّ تقدم محور أمريكا و"إسرائيل" يدفعنا لفهم الواقع وقراءته بموضوعيّة شديدة بعيدًا عن الشّعارات، لكن ليس على الطريقة الماديّة الخالصة، أو العقلنة الّتي ينادي بها بعضهم ، أو الواقعيّة الّتي يتغنّى بها بعض السّياسيين في لبنان، لا تعني الرضوخ للقوة الماديّة المتوحشّة والقبول بالتّبعيّة للمشروع الأمريكي الصّهيوني، فهذا خلاف العقل، بل إنّ عقلنة الواقع هي مزاوجة بين قراءة الواقع كما هو، وعقلنته بتطوير الإرادة التحرّرية، والسّعي لتغيير هذا الواقع لصالح لبنان وشعبه، وفهم نقاط القوة والضّعف، واستغلال نقاط القوّة لصالح تقوية نقاط الضّعف.
إنّ قراءة الواقع ومعطياته بعيدًا عن الانفعال والعاطفة مطلبٌ موضوعيٌّ في التّقييم، لكنّه لا يمكن أن يتحوّل إلى دليل للاستسلام وقبول هذا الواقع كما هو، بل إنّ قراءة الواقع تأتي كمطلب تغييريّ نقديّ، نحاول من خلاله فهم مجريات الأحداث، ونقاط الضّعف والقوّة، وتحريك الإرادات باتجاه تغيير هذا الواقع بعد تحسين الشّروط وتطوير مستلزمات التّغيير، فالهدف لم يتغيّر، لكن ما تغيّر هو سوء إدارة المعطيات الواقعيّة، وتقصير في توفير الشّروط اللازمة وفاقا للسنن التّاريخية لتحقيق الهدف الأسمى.
إنّ التحيّزات المعرفيّة والإدراكيّة المتسلّحة بإيديولوجيا الشّعارات، لا يمكنها أن تعتبر منطلقًا في قراءة الواقع وفهم ملابساته، لأنّها ستعيق فهم الحقيقة مهما حاولت قراءة الواقع الخارجيّ، فتحيُّزاتها ستشكّل حاجزًا معرفيًّا لفهم الحقيقة، لذلك لا بدَّ من قراءة الواقع من دون مسبقات وتحيّزات معرفيّة، وبعيدا عن الانفعال وعن الشّعارات.
*كاتبة وباحثة