اقتصاد بلا قرار: كيف حوّل جوزف عون الانهيار إلى سياسة؟
في سنته الأولى في قصر بعبدا، لم يقدّم رئيس الجمهوريّة جوزاف عون مشروعًا اقتصاديًّا، بقدر ما قدّم إدارة باهتة لانهيار حادّ. العهد الّذي رُوِّج له بوصفه "مرحلة انتقاليّة مسؤولة" و"ضمانة للاستقرار"، سرعان ما انكشف كامتداد لمنطق قديم: تجنّب المواجهة معَ البنى الاقتصاديّة والماليّة الّتي صنعت الانهيار، ولو على حساب ما تبقّى من مجتمع واقتصاد. لم يكن الإخفاق وليد سوء تقدير ظرفيّ، بل نتيجة نهج كامل قوامُه الحذر السّياسيّ، والصّمت الاقتصاديّ، وتفويض القرار للخارج أو للوقت.
منذ الخطاب الأوّل، سيطرت مفردات "الاستقرار"، "التهدئة"، و"استعادة الثّقة". لكن أيّ استقرار يُراد في عملة فقدت أكثر من90 % من قدرتها الشّرائية؟ وأيّ ثقة يمكن الحديث عنها في ظلّ نظام مصرفيّ صادر الودائع، ودولة ترفض حتّى اليوم تسمية المسؤولين عن الإفلاس؟ ما سُمّي استقرارًا لم يكن سوى تجميد للأزمة، وإدارة لها بأقل كلفة سياسيّة على رأس السّلطة، وأعلى كلفة اجتماعية ممكنة على المواطنين.
الخطأ المركزيّ في مقاربة العهد هو اعتقاده أنّ الاقتصاد ملف تقنيّ، يمكن عزله عن الصّراع السّياسيّ؛ في بلد منهار مثل لبنان. الاقتصاد ليس أرقامًا وموازنات، بل علاقات قوّة، وتوزيع خسائر، وتحديد مسؤوليّات. اختيار الصّمت هنا ليس حيادًا، بل انحياز صريح لموازين القوى القائمة. حين يمتنع رئيس الجمهورية عن تسمية من نهب، ومن هرّب، ومن عطّل الإصلاح، فهو عمليًّا يشارك في إعادة إنتاج النّظام نفسه الّذي أوصل البلاد إلى الإفلاس.
اقتصاديًا، لا يُمكن رصد أيّ إطار متكامل يعبّر عن رؤية رئاسيّة. لا ورقة سياسات، لا أولويات واضحة، ولا تصوّر لدور الدّولة في مرحلة ما بعد الانهيار. تُرك الاقتصاد لمزيج من الارتجال الحكوميّ، ووصفات صندوق النّقد الدّولي، وضغوط الخارج؛ فيما اكتفت الرّئاسة بدور "الضّامن المعنوي" لمسار لا تملك الجرأة على تعديله. وهنا تكمن المشكلة البنيويّة: في لحظة تاريخيّة مفصليّة، غابت القيادة الاقتصاديّة، وحضر فقط منطق إدارة الوقت.
في ملف الانهيار الماليّ، كان الأداء الرّئاسيّ الأكثر فداحة، إذ عوض تحويل إعادة هيكلة القطاع المصرفيّ إلى معركة سياديّة، جرى التّعامل معها كأنها ملف خلافيّ تقنيّ. لم يصدر موقف واضح حيال توزيع الخسائر، ولا حيال حماية صغار المودعين، ولا حيال مسؤوليّة المصارف ومصرف لبنان. هذا الصّمت لم يكن بريئًا. هو صمت يحمي ميزان القوى القائم، ويمنح الوقت للمنظومة الماليّة لإعادة ترتيب نفسها، شطبًا مقنّعًا للودائع، وتطبيعًا تدريجيًا مع السّرقة الكبرى.
أمّا الحديث المتكرّر عن "التفاوض مع صندوق النّقد الدولي"، فقد استخدم كبديل عن القرار السّياسيّ، لا كأداة ضمن رؤية وطنيّة. فالصّندوق ليس برنامجًا اقتصاديًّا بحدّ ذاته، بل إطار تفاوض يعكس موازين قوى. والعهد تعامل معه كقدر لا يُناقش، لا كخيار يمكن تعديله أو تكييفه اجتماعيًّا. لم نسمع أيّ نقاش جدّيّ عن الكلفة الاجتماعيّة لشروط الصّندوق، أو عن كيفيّة حماية الفئات الأضعف، أو حدود الخصخصة المطلوبة. وكأنّ الاقتصاد بات ملفًّا خارجيًّا، تُدار تفاصيله خارج النّقاش العام، فيما يُطلب من النّاس الصّبر والانتظار.
في الماليّة العامّة، استمرّ المنطق نفسه الّذي أوصل لبنان إلى الإفلاس: الجباية قبل الإصلاح، والضّرائب غير المباشرة بدل العدالة الضّريبيّة. لم يطرح العهد أيّ تصوّر لإعادة بناء نظام ضريبيّ تصاعديّ، أو لاستعادة الأملاك العامّة المنهوبة، أو لإغلاق مزاريب التهرّب الضّريبي. لم تُفتح معركة جديّة مع كبار المتهرّبين، ولا مع الريوع العقاريّة والماليّة. الدّولة، وفاقًا لهذا النّهج، ليست أداة لإعادة توزيع الثّروة، بل جهاز تحصيل عاجز، يضغط على من تبقّى من الطّبقة الوسطى، ويُعفي كبار المستفيدين من أيّ مساءلة.
وفي الاقتصاد الحقيقيّ، أي الإنتاج، لم يتجاوز الأداء حدود الخطاب. الزّراعة تُذكر في المناسبات، والصّناعة في التّصريحات، من دون سياسات دعم ممنهجة، ولا حماية ذكيّة، ولا ائتمان ميسّر. لا سياسة صناعيّة، لا ربط بين التّعليم وسوق العمل، ولا تصوّر لدور الدّولة كمستثمر أو منظّم. الحديث عن «اقتصاد منتج» تحوّل إلى لازمة إعلامية، فيما الخيارات الفعليّة تكرّس اقتصاد الرّيع المعدّل: تحويلات، مساعدات، ونشاطات منخفضة القيمة المضافة، بلا أفق تنمويّ حقيقيّ.
الأخطر أنّ هذا النّهج يُقدَّم بوصفه واقعيّة. أي إنّ إدارة الانهيار تُسوَّق على أنّها خيار عقلانيّ، والإصلاح الجذريّ يُصوَّر كمغامرة غير محسوبة. لكنّ الواقعيّة هنا ليست سوى خوف من كسر التّوازنات السياسيّة والماليّة القائمة. العهد اختار السّلامة السياسيّة على حساب المجازفة الاقتصادية، مع أنّ الاقتصاد لا يُنقَذ من دون صدام مع مصالح راسخة. لا إنقاذ بلا مواجهة، ولا إعادة بناء بلا تحديد خصوم.
حتّى في خطاب "محاربة الفساد"، بقيت الأمور في إطار العموميّات. لا ملفّات كبرى فُتحت، لا شبكات مصالح سُمّيت، ولا منظومة المحاسبة تحرّكت. مكافحة الفساد تحوّلت إلى شعار أخلاقيّ، لا إلى سياسة اقتصاديّة، مع أنّها شرط أساسيّ لأيّ إصلاح ماليّ أو استثماريّ. والنّتيجة أنّ الفساد لم يُواجَه، بل جرى التكيّف معه، وإعادة إدماجه في مرحلة ما بعد الانهيار.
يمكن القول إنّ جوزاف عون لم يرث فقط اقتصادًا منهارًا، بل ورث أيضًا فرصة، لإعادة تعريف دور رئاسة الجمهوريّة في لحظة تاريخيّة. كان يمكن للعهد أن يفرض نقاشًا اقتصاديًّا وطنيًّا، ويضع خطوطًا حمراء، ويسمّي المسؤوليّات، و يستخدم الموقع الرّئاسيّ كمنصة ضغط سياسيّ واجتماعيّ. لكنّه اختار أن يكون رئيسًا توافقيًّا في زمن لا يحتمل التّوافق، وحَكَمًا صامتًا في معركة تتطلّب موقفًا.
سنة واحدة كانت كافية لتبيان الاتّجاه: لا مشروع اقتصاديًّا، لا صدام مع المنظومة، ولا أفقَ للخروج من الانهيار. وإذا استمرّ هذا النّهج، فإنّ العهد لن يُحاسَب لأنّه فشل في الإنقاذ، بل لأنّه طبّع مع الانهيار. والتّطبيع مع الانهيار أخطر من الانهيار نفسه، لأنّه يحوّله من أزمة إلى بنية، ومن كارثة إلى وضع طبيعيّ.
في بلد مثل لبنان، حيث الكلفة مدفوعة سلفًا من المجتمع، لا يملك رأس الدّولة ترف الوقت ولا رفاهيّة الغموض. الاقتصاد لا ينتظر، والنّاس لا تحتمل، والتّاريخ لا يبرّر.