فاطمة غندور: لبنانية جنوبية تتفوق على العدوان والتهميش.. دكتوراه في دراسة المفاعلات النووية

إعداد: نور شعبان

في النبطية جنوب لبنان، تنشأ سيرة علمية معرفيّة تحت عنوان "الفيزياء النووية". وتحضّر تجربة الدكتورة "فاطمة إبراهيم غندور"، التي نالت في كانون الأول 2025 شهادة الدكتوراه المشتركة في الفيزياء النووية من الجامعة اللبنانية والجامعة اليسوعية بدرجة "مشرّف جدًا"، عن أطروحتها حول "تصميم المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة ونمذجتها باستخدام أكواد مختلفة"، بوصفها مسارًا علميًا ضروريًا في عالم يتّجه نحو اعتماد مصادر طاقة نظيفة.

- لماذا مفاعلات الماء المضغوط؟

في حديثها لمنصة "بيروت ريفيو"، تلفت غندور إلى أنّ الطاقة النووية باتت جزءًا أساسيًا من هذا المسار العالمي، وتوضح أنّ اختيار مفاعلات الماء المضغوط في دراستها لم يكن اعتباطيًا، بل لأنّها من أكثر أنواع المفاعلات استقرارًا ونضجًا على المستوى الدولي، إضافةً إلى كونها تقنية نظيفة، غير مكلفة نسبيًا، وآمنة إلى حدّ كبير، وقابلة للتطبيق حتى في البلدان النائية.

وترى أنّ هذه التكنولوجيا، رغم حداثتها النسبية في العالم العربي، بدأت تشق طريقها تدريجيًا، مستشهدة بتجربة دولة الإمارات، وبسعي دول أخرى إلى تطوير مفاعلات نووية، بما في ذلك المفاعلات المعيارية الصغيرة.

- كسر احتكار المعرفة

وتلفت غندور إلى أنّ الفيزياء النووية ليست علمًا مغلقًا أو نخبويًا، بل عالم واسع اختارت أن تتخصّص فيه عبر فيزياء المفاعلات النووية تحديدًا. وتوضح أنّ أحد دوافعها الأساسية يتمثّل في كسر احتكار المعرفة المرتبط بالعلوم والتقنيات المتقدمة، والتي غالبًا ما تُنسب إلى الدول الغربية، والعمل على تطويرها بأيدي باحثين لبنانيين، حتى في ظلّ إمكانات وطنية متواضعة، وتشدّد على أنّ هذا الخيار يفتح المجال أمام إنتاج علمي مستقل وقابل للمنافسة.

وتؤكّد غندور لـ"بيروت ريفيو" أنّ اعتماد الأكواد المفتوحة المصدر شكّل حجر الأساس في عملها البحثي، إذ تتيح هذه الأكواد مقاربة مختلفة لدراسة المفاعلات النووية، بعيدًا عن منطق "الصندوق الأسود" الذي تفرضه الأكواد المغلقة، والتي تتطلّب تراخيص مدفوعة وتحدّ من إمكان الوصول الحر إلى المعرفة. وتشير إلى أنّ هذا المسار، رغم صعوبته، يفتح الباب أمام عدد أكبر من الباحثين، ويثبت أنّ إنتاج نتائج علمية دقيقة ومنافسة ممكنة خارج الأطر التقليدية السائدة.

وتلفت إلى أنّ هذا التوجّه ترافق مع طموح أكاديمي أوسع، يتمثّل في فتح آفاق جديدة داخل الجامعة اللبنانية، من بينها السعي إلى إنشاء برنامج ماجستير متخصّص في هذا المجال، بوصفه اختصاصًا حديثًا يتطلّب تكاملًا بين أدوات علمية متعددة. وتوضح أنّ العمل البحثي لا يقتصر على الدراسة النظرية، بل يمتد إلى تطويرات وتحسينات على مستوى هندسة المفاعلات الداخلية، في محاولة لترك بصمة علمية لبنانية في مجال يُنظر إليه عادة من خارج المنطقة.

وتشرح غندور أنّ التحديات لم تكن قليلة، فالبحث باستخدام الأكواد المفتوحة المصدر يتطلّب قدرات عالية في البرمجة والحوسبة، ويستدعي جهدًا مضنيًا. وتوضح أنّ نمذجة مفاعل نووي تبدأ من برمجة هندسته الداخلية، وهي عملية قد تمتد، إذا طُبعت، إلى مئات الصفحات، حتى عندما يتعلق الأمر بمفاعل نووي صغير.
ورغم ذلك، ترى أنّ تجاوز هذا التحدي شكّل أحد أهم إنجازات العمل البحثي.

- المفاعلات الصغيرة: خيار البلدان النامية

وتشير إلى أنّ اختيار نموذج المفاعل نفسه لم يكن أقل تعقيدًا، إذ جرى الاطلاع على مئات المفاعلات العاملة عالميًا، والموزَّعة على أجيال وأنواع متعددة، قبل الاستقرار على مفاعلات الماء المضغوط، ثم الانتقال إلى دراسة الأحجام المختلفة، مع تركيز خاص على المفاعلات الصغيرة التي تناسب البلدان النامية. وتلفت إلى أنّ صعوبة الوصول إلى المعطيات التقنية شكّلت تحدّيًا إضافيًا، إذ إنّ الشركات والدول المطوّرة لا تتيح عادةً كل التفاصيل للعامة.

وتوضح أنّه بعد اختيار مفاعل أرجنتيني كنموذج للدراسة، تبيّن أنّ معظم المراجع المتاحة مكتوبة باللغة الإسبانية، وهو ما استدعى جهدًا إضافيًا في جمع الأبحاث وشرحها وتبسيطها. وتشير إلى أنّ أول مقال نُشر في هذا الإطار قدَّم أول شرح مبسَّط وواضح للهندسة الداخلية لهذا المفاعل، في خطوة لم تكن مطروحة سابقًا في الأدبيات العلمية.

ولا تفصل غندور مسارها العلمي عن السياق اللبناني العام. فهي تشير إلى أنّ الحرب والأوضاع المعيشية الصعبة، ولا سيما أزمة الكهرباء، أثّرت بشكل مباشر على ظروف البحث، إذ كانت تعمل أحيانًا من المنزل وفي بيئة غير مستقرة في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، فيما تتطلب المحاكاة الحاسوبية طاقة كهربائية مستمرة لا تكون متاحة دائمًا. ومع ذلك، ترى أنّ البحث العلمي بطبيعته مسار مليء بالتحديات، وأنّ الإصرار والمثابرة يحوّلان هذه التحديات إلى جزء طبيعي من الرحلة، لا إلى عائق نهائي.

بهذا المعنى، تُقدَّم تجربة "فاطمة غندور" كإشارة إلى إمكانية إنتاج معرفة علمية متقدّمة من لبنان، ومن جنوبه تحديدًا، بما يعكس أحد أوجه الصمود التاريخي لأبناء هذه المناطق.

منشورات ذات صلة